الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

علقم الزّمان


     أخيرا ..هاهو قد وصل بعد ذلك السفر الطويل الذي أتعبه بقدر ما أهلكته هفوات السنين الماضية ..

لقد اختار هذا المكان ..اختار" البحر" ؛علّ ملوحة مياه البحر تداوي جرحاته ،


وتطوي مع كلّ موجة ذكريات سنين أسرف عليها الهمّ في ضغطه فذابت ..


توسّد الرمل وحُمرة المساء تداعب وجنتيه الشاحبتين , وعلى الجبين تندى


الكلّ والتعب,,والصبا ,يعزف بالأراذي نغم الهدير ..والقمر ,أناملُ تحّرك الأمواج


بين المدّ والجزر ,, يسكب الصمت, والنوم, والأحلام على الشاطئ والمدَّ,,


ليعود ويغتسل منها بالجزر حينا..


وكأنّ تلك الأحلام, اللذّة المؤلمة, تغتسل في ابتسام النية الطيبة ,,في


ملوحة البحر ..


والقلب كالبحر يطوي السنين ..وتركب المدّ والجزر ذكرياته .. والنبض عنفوان


الألم ، وصبابة الحنين ..


وكاهتزاز أمواج ذلك البحر أخدت دقات قلبه تهتزّ؛ لينحدر شريط أيامه بين يديه


فتمرّ به الغيوم , والأحزان , والذكريات ..


ذكرياتُ رجل حاول النهوض أكثر من مرة في عالم تتعثر فيه معاني الشيب


بمعاني الشباب !.


كان دائما يحلم بطفل ,, يحمل اسمه ,يشاركه أحزانه ,وينير جانب قلبه المظلم


بنظرة شغوفة ..


وكان حلمه الآدمي حلما ينطوي في البشرية المحالة في الخيالات السارحة


في أحلام اليقظة .. فمعظم أهل الطب أجمعوا على استحالة لا ملاذ منها ..


فالعقم قيد, وما للنصح من سبيل ..


ولكن ، إنها أحلام اليقظة لا ييقظها إلا الدعاء ,, فاتخذت الأقدار من يده الذليلة


يدها التي حمّلتها البشرى طفلا بين ثنايا رَغَبٍ ورهب.


رُزق طفلا , ليشبع عطش سنين مرّت ، عاش فيها ظمآنا لقطرة حنان من نوع


خاص، فبعد أن أوشكت شفتاه على الجفاف أتى من يغسلهما بعذوبة


شقاوته..


فهناك كان يحبو .. وهناك كانت ألعابه .. وهكذا كانت ضحكته وسنيّن أفرقين


كلما ضربه وهرب ,,


ما زالت ألحاظه تحتمل تلك الأيام في جوف مقلتين غائرتين في سني


التعب.. إنها سنين جرت في عمره واطّردت,, تنساب بالحياة ؛لتصب ما فيها


في شباب ذلك الإبن، بذلا ،وحبا ,, فلم يترك على جانبيه ، إلاّ كما يترك الماء


على عِطفِه خضرة ،ونضرة ..


وهو قلب الإنسان، عندما يخفق في العالم الجاهل لا يفاجئه نكران الحديقة


الغناء روح السكينة المدرجة في ماء سقياها,,


حتى إذما شاب هذا الرجل شيبة المشيخ ؛ جمع الإبن خطوات هذا الشيخ


العثِرة ،وقد تثاقلت من متاع سنون أحنت كاهليه .. وفي العين شريط ذكرى


خطوات هذا الإبن من حبوه حتى تماسك ودرَج ,, والآن ليذهب به يافعا إلى


مأوى العجزة!!!....


"هذا ما يفرضه علينا القدر أحيانا , فنصطدم بواقع ,يقتل الحبّ، ويبدّد الحلم "


أجل , تلك كانت آخر كلماته قبل الرحيل .. وهناك ..كما تتعلق تلك القطرات


من ماء البحر بجو السماء, كلما ارتطمت بصخور الشاطئ,, تعلّقت أنفاسه


ليلفظ آخرها ملقيا هموم الماضي في عُرض ذلك البحر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق